مؤلم أن يشعر المواطن، أيًا كان دينه، أن القانون لا ينظر إليه بعين المساواة، بل بعدسة لا ترى سوى الأغلبية. في وطنٍ نريد له أن يكون بيتًا للجميع، كيف نقبل أن تُهمل القوانين التي وضعت لحماية الأقليات، وتُطبَّق أخرى لا تأخذ في الاعتبار خصوصية الشعائر؟
حقوق اليهود التونسيين في تونس
تعليق على قرار تعقيبي يتعلق ببيع اللحم الكاشير
« المواطن اليهودي حر في أن يتبع تعاليم دينه، وأن يمارسها أو لا يمارسها إذا أراد ذلك، وأن يشارك الأفراد الذين يعتنقون نفس ديانته في تنظيم كل ما يتعلق بإقامة الشعائر الدينية، بشرط وحيد هو ألا يخل بالنظام العام.
وبصرف النظر عن هذا المجال الروحي، لا شيء يجب أن يميز المواطن اليهودي عن غيره من المواطنين التونسيين. فهو مواطن كأي مواطن آخر يخضع لنفس الواجبات ويتمتع بنفس الحقوق. »
نظريا، يتمتع جميع المواطنين التونسيين والتونسيات بجميع الحقوق والحريات بدون أي تمييز قائم على أساس الدين. العديد من الضمانات كمبدأ عدم التمييز والمساواة أمام القانون ينطبق أيضا على اليهود التونسيين. لكن في التطبيق وخاصة بمناسبة نزاع قد ينشأ عند ممارسة اليهود لحقوقهم نلاحظ تمييزا غير مباشر. يتمثل هذا النوع من التمييز في ظل وجود قوانين تكون تمييزية في مضمونها ولها تأثير تمييزي عند تنفيذها. وخاصة في المعاملات التجارية لاحظنا من خلال قراءتنا للقرار الصادر عن محكمة التعقيب في القضية عدد 6835 بتاريخ 5 جوان 2001 أن القاضي لا يعير اهتماما لحقوق اليهود التونسيين ولا للنصوص الخاصة المنظمة لحياتهم اليومية المتعلقة بكل ماهو طقوس وشعائر دينية.
من حيث الوقائع، في 28 جانفي 1999 تحول أعوان المراقبة الإقتصادية إلى المحل المعد لبيع اللحوم الكائن بشارع الحرية بتونس فعاينوا أن المتهم يعرض للبيع وبيع للعموم لحم البقري هبرة بسعر غير قانوني وبذلك تم تحرير محضر عدد 433/99 أحيل على النيابة العمومية بالمحكمة الإبتدائية بتونس التي أحالت المتهم المعقب على المجلس الجناحي بها لمقاضاته من أجل الترفيع في الأسعار تطبيقا للقانون 29 ماي 1991.
فقضت بثبوت ادانته وتخطئته ب300 د فاستأنفه المحكوم عليه فصدر القرار الذي تعقبه المتهم بواسطة محاميه الذي عاب المعقب على المحكمة قضاءها بالادانة رغم كون الأسعار والتي يبيع بها المتهم لم تكن مرتفعة لأنها لا تخضع للتسعيرة العادية باعتبار أن المتهم كان يبيع لحما خاصا بالمواطنين اليهود وهو يدفع بموجب القانون أداء الحبر على تلك اللحوم مما يجعل التسعيرة العامة لا تنطبق عليها وانتهى إلى طلب النقض.
قبل الخوض في الحديث عن قرار المحكمة في قضية الحال لا بد من التذكير بالإطار القانوني المنظم لليهود التونسيين ألا وهو القانون المتعلق بنظام شعائر الديانة الموساوية والذي وضع بعد الإستقلال في 11 جويلية 1958 والذي يهدف لإصلاح نظام الديانة الموساوية حسب ما جاء في مقدمة هذا القانون لضمان الحقوق والواجبات لجميع المواطنين بدون ميز. أحدث ما يسمى ب « الجمعيات الدينية الإسرائلية » والتي تتولى إدارة الشعائر الدينية الإسرائلية وبالخصوص إدارة مالها من منقول وعقار وماهو مخصص لتلك الشعائر وتنظيم التعليم الديني وإدارة المعاهد التي تقوم به وابداء رأيها في جميع المسائل التي تهم القيام بالشعائر الدينية الإسرائلية التي ترى الحكومة مصلحة في استشارتها ولا سيما تسمية كبير أحبار تونس.
وفي نفس السياق، وبينما تتحكم الدولة في إدارة المساجد وصيانتها وتجهيزها، فإن بيع اليهود تديرها الجمعيات الدينية الإسرائلية.
وللتذكير بالسياق التاريخي لهذا القانون، كانت الأقليات الدينية، ولا سيما اليهود، تتعرض للتمييز في ظل ما يسمى وضعية الذمي، وهي الوضعية القانونية التي تجعل من غير المسلم في الحاضرة تونس يتمتع بالحماية ويدفع في المقابل نوعين من الضرائب، قبل أن يتم إلغاؤه مع إصلاحات عهد الأمان التي قام بها الباي الحسيني محمد باي.
وقد نص عهد الأمان على: « تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا علي اختلاف الأديان والألسنة والألوان في أبدانهم المكرمة وأموالهم المحرمة وأعراضهم المحترمة. »
وفي نفس الإطار، نص دستور 1861 على أن: « كل واحد من أهل المملكة التونسية سواء ولد بالحاضرة أو غيرها من البلدان والقرى ونواجع العربان على اختلاف الأديان، له من الحق أن يكون آمنا على نفسه وعرضه وماله، كما هو المفتتح به في عهد الأمان ».
وبالرجوع للحديث عن الإطار القانوني الخاص باليهود التونسيين لا بد من الإشارة إلى أن القانون المذكور أعلاه يبدو منتهي الصلوحية لكونه وضع في فترة ما بعد الإستقلال ولم يعد يخدم اليوم مطالب يهود تونس ولا يضمن لهم حماية واضحة. وهو ما يتضح جليا من خلال تعليقنا على القرار التعقيبي الذي تجاهل من خلاله القاضي هذا القانون مهمشا بذلك حقوق اليهود التونسيين.
حيث أن المنوب في القرار موضوع التعليق يعمل بمجزرة لبيع اللحوم المذبوحة طبقا للشريعة الموساوية.
وحيث احيل المنوب على أنظار الدائرة الجناحية بالمحكمة الإبتدائية بتونس من أجل جنحة البيع بأسعار غير قانونية وصدر في شأنه الحكم في القضية عدد 44771/1999 بتاريخ 18 نوفمبر 1999 القاضي نصه ابتدائيا حضوريا بتخطئة المنوب ب 300 دينار.
وحيث أن المجزرة التي يشغلها المنوب (كائنة بشارع الحرية قبالة بيعة اليهود) هي مجزرة معدة لبيع اللحوم المذبوحة على الطريقة ووفقا للشريعة الموساوية الأمر الذي تخضعها للتراتيب والقوانين المنظمة لها والذي نص عليه القانون عدد 58-78 يتعلق بنظام شعائر الديانة الموساوية.
وحيث اقتضى الفصل الثاني من هذا القانون أن الجمعيات الدينية الاسرائيلية تنظم وتشرف على عمليات الذبح الطقوسي وخبز عزيم والمواد الغذائية كاشير بمساعدة رجال الديانة اليهودية طبقا للمواصفات والقواعد التي يضعها حبر تونس الأكبر. وحيث أن حبر تونس الأكبر الذي يقع تعيينه بأمر هو المختص في تحديد سعر اللحوم المذبوحة والمباعة وفقا للطريقة اليهودية.
كان رد المحكمة على هذه الححج بأنها غير مجبرة على الرد على كل الدفوعات خاصة اذا ما كانت واهية وتناقض مع اعتراف المتهم المسجل عليه.
ما يمكن ملاحظته في مرحلة أولى، إن القاضي يتجاهل مبدأين أساسيين في القانون: الأول يتعلق بالمبدأ العام الذي يقر بأن الخاص يقيد العام. اذ أنه وفي قضية الحال النص الخاص هو قانون 11 جويلية 1958 المنطبق على اليهود التونسيين في كل مجالات الحياة المتعلقة بممارسة شعائرهم الدينية كما هو الحال بالنسبة للحوم كاشير. أما النص العام حول المنافسة والأسعار الذي طبقه القاضي لا ينطبق في هذه الحالة لأن الأمر لا يتعلق بمنتوج تجاري أو بالخصوص باللحوم التي يقتنيها كل مواطن تونسي بل بنوعية خاصة من المنتوجات كاشير التي تتعلق بمجموعة دينية معينة. والفصل الثاني من هذا القانون واضح وصريح كما ذكرنا أعلاه.
أما المبدأ الثاني والذي يجب تطبيقه كل ما تعلق الأمر بالقانون الجزائي ألا وهو « لا جريمة بدون نص« . وفي قضية الحال يمكن اعتبار أن الخطية ليست في محلها. اذ لاوجود لهذه العقوبة في النص الخاص المتعلق بتنظيم شعائر الديانة الموساوية. بالاضافة لذلك يمكن القول بأن القاضي تجاوز القانون المنظم لشعائر اليهود التونسيين ولحقوق الأقلية الدينية اليهودية اذ لم يعر اهتماما للمطاعن المتعلقة بالديانة الموساوية ولا بسلطة الحبر الأكبر الذي يعين بمقتضى أمر أي أن السلطة التنفيذية هي من تعطي شرعية لاختصاصاته المبينة بقانون 11 جويلية 1958.
وفي هذا الإطار لا بد من التذكير بمبدأين أساسيين يجب على القضاء أن يطبقهما في كل النزاعات التي ينظر فيها ألا وهي:
المساواة أمام القانون وأمام القضاء.
اذ أن الفصل 16 من القانون المذكور على أن الحبر الأكبر مكلف بتفسير الشريعة الموساوية والإشراف على الذبح الطقوسي وخبز الفطير « عزيم » والمواد الغذائية كاشير. على القاضي في هذه الحالة أن يحترم الشعائر الدينية لليهود التونسيين وأن يطبق هذا القانون مكرسا بذلك حياد القاضي. أما في الصورة المعاكسة فالقاضي لا يعامل اليهود التونسيين كباقي التونسيين.
اذ أن القاضي في هذه الحالة قد تجاهل أيضا كل المؤيدات من ذلك الشهادة الصادرة عن الحبر الأكبر للبلاد التونسية وفاتورة الشراء المظروفة بملف القضية بأنها تضمنت أن المنوب اشترى ثلاثة أبقار وعدد 2 أغنام وأن وزن اللحم البقري هو 368 كلغ بثمن قدره 2،208 د فيكون سعر الكلغ الواحد من اللحم عند شراءه من المذبح ستة دينارات بالنسبة للحم البقري، كما تضمن الفاتورة أن وزن عدد 02 أغنام هو 11 كلغ بسعر قدره 107 د فيكون سعر الكلغ من اللحم الغنمي عند الشراء من المذبح 9،727 د. لم يحترم القاضي في هذه الحالة حرية وسائل الاثبات.
إن وجدان القاضي يبقى رهين التعليل المنطقي والمقبول من القاضي من خلال وسائل الاثبات وهو ما حددته محكمة التعقيب في العديد من المناسبات طالما أن حكم القاضي معلل ومستساغ قانونا. لكن في قضية الحال التعليل ضعيف بما أن القاضي همش كل المؤيدات الرسمية ولم يطبق القانون المتعلق باليهود التونسيين.
وحيث تمسك المنوب أمام محكمة القرار المطعون بأن اللحم الذي كان يبيعه كان خاضعا للضريبة التي تدفع للحبر الأكبر وذلك خلافا لما صرح به أمام أعوان المراقبة الإقتصادية وأنه كان عن حسن نية.
وحيث نص الفصل 13 من القانون المذكور على أن مداخيل اللجنة الوقتية لادارة شؤون الديانة الاسرائلية بتونس (المعينة بقرار وزاري) تتكون مداخيلها من التبرعات ومن الضرائب المفروضة على المواد الغذائية المحللة لليهود طبقا للشريعة الموساوية.
في خضم هذه المطاعن لم يعر القاضي اهتماما أو أنه تجاهل تطبيق قوانين خاصة بالضريبة على اللحم الكاشير وركز على قانون المنافسة والأسعار لتبرير الخطية.
من هذه النصوص نذكر:
– الأمر المؤرخ في 8 جويلية 1888 المتعلق بإحداث معلوم على اللحم الكاشير لفائدة الصندوق الاسرائيلي للإعانة وفعل الخير بتونس.
– الأمر عدد 753 لسنة 1977 مؤرخ في 19 سبتمبر 1977 يتعلق بترفيع المعلوم الذي تستخلصه اللجنة الوقتية لادارة شؤون الديانة الاسرائلية بتونس عن اللحم كاشير والذي ينص على أن:
الفصل 1: إن مقدار المعلوم الذي تستخلصه اللجنة الوقتية لادارة شؤون الديانة الاسرائلية بجهة تونس حسب ماهو مقرر بالأمر المشار إليه أعلاه عدد 448 لسنة 1966 المؤرخ في 14 نوفمبر 1966 قد رفع إلى ثمانين مليما عن كل كيلو غرام من اللحم الكاشير.
الفصل 2: إن هذا المعلوم يستخلصه القابض البلدي بتونس ويدفعه شهريا إلى صندوق اللجنة الوقتية لادارة شؤون الديانة الاسرائلية بتونس بعد أن يطرح منه مقدار 1% مقابل مصاريف الاستخلاص لفائدة ميزانية البلدية.
ومن ناحية أخرى، يعتبر الحبر الأكبر في الديانة اليهودية من أهم الشخصيات سياسيا ودينيا بالنسبة لليهود التونسيين، فهو الممثل الشرعي لهم ويتمتع بصلاحيات تتعلق بكل ميادين الحياة الدينية والإجتماعية لليهود.
وحيث أن عملية الذبح الطقوسي تستوجب القيام بها من قبل شخص تتوفر فيه شروط معينة محددة في النصوص التوراتية والتلمودية، كما يستوجب شاهدين عدلين من اليهود الذين يختارهما الحبر الأكبر وذلك حتى يكون حلالا بالنسبة لليهود.
وحيث أن الشخص الذي يقوم بعملية الذبح وكذلك الشاهدين يحصلون جميعا على مقابل مادي لقاء عملية الذبح والشهادة.
ولا بد في هذا الإطار من التذكير بأنه بالنسبة للمعابد اليهودية، يعترف الفصل 2 من القانون المتعلق بالديانة الموساوية بأن الجمعيات الدينية اليهودية مسؤولة عن ادارة الشعائر الدينية الاسرائلية وبالخصوص:
« ادارة مصلحة الذبح التقليدي والخبز الفطير والمواد الغذائية كاشير بمساعدة الأحبار الواقع بدائرتهم تلك الجمعيات وطبق مايضعه كبير الأحبار بتونس من القواعد. »
ما يضعه كبير الأحبار من القواعد تحيل على أن كل ما يتعلق بالشعائر الدينية الموساوية هو من الاختصاص الشرعي لكبير الأحبار.
وبموجب الفصل 16 من القانون المذكور، له دور مزدوج: سياسي وديني.
سياسيا، يُعتبر كبير أحبار تونس الرئيس الروحي للطائفة اليهودية التونسية ويمثل الطائفة اليهودية في تونس لدى السلطات العمومية.
دينيا، تتمثل مهمته الرئيسية في توحيد جميع اليهود التونسيين حول القيم الأخلاقية والمبادئ الروحية للديانة اليهودية.
وبهذه الطريقة، يكون له دور الإرشاد والتوجيه ويمثل المرجع للطائفة اليهودية التونسية.
وهو يرأس المواكب الدينية الاسرائلية ويختص بتفسير الشريعة الموساوية لا سيما فيما يتعلق بالذبح وصنع خبز الفطير والمواد الغذائية من نوع كاشير.
وتستشيره الجمعيات الدينية وجوبا لتسمية الأحبار. وهو يراقب البيعات ومعاهد التعليم الديني.
ما يمكن أن نستخلصه من هذا القرار هو أنه يكرس إقصاء وتمييزا ضد اليهود التونسيين، وهو ما يتنافى مع مبدأ عدم التمييز المكرس بـالدستور وبـالمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان المصادق عليها من قبل الدولة التونسية.
اذ أن الدولة تلتزم بـحماية حقوق الأقليات الدينية والامتناع عن التدخل في ممارسة شعائرهم الدينية. بل وبالأخص يجب على الدولة توفير الوسائل الضرورية لـممارسة الشعائر في إطار عادل وآمن وبدون أي تمييز مع مجموعات أخرى تمثل الدين المهيمن.
إلا أن هذا القرار التعقيبي قد تجاهل حقوق اليهود التونسيين وخاصة الحقوق الشرعية والصلاحيات القانونية لـكبير الأحبار، الممثل الشرعي الوحيد لليهود في تونس.
بقلم منير بعطور
الهوامش:
- [1] خطاب رسمي ألقاه أحمد المستيري، كاتب الدولة لدى العدل، بتاريخ 1 أكتوبر 1957.
- [2] ملف القضية عدد 6835، قرار محكمة التعقيب بتاريخ 5 جوان 2001.
- [3] القانون عدد 58-78 المؤرخ في 11 جويلية 1958، المتعلق بنظام شعائر الديانة الموساوية.
- [4] مقتطف من عهد الأمان، الصادر عن الباي محمد باشا في 1857.
- [5] دستور المملكة التونسية لسنة 1861، الفصل المتعلق بالمساواة بين الرعايا دون تمييز ديني.
- [6] الأمر المؤرخ في 8 جويلية 1888 المتعلق بإحداث معلوم على اللحم الكاشير لفائدة الصندوق الإسرائيلي للإعانة وفعل الخير بتونس.
- [7] الأمر عدد 753 لسنة 1977 المؤرخ في 19 سبتمبر 1977 المتعلق بترفيع المعلوم على اللحم الكاشير إلى 80 مليما للكلغ.
- [8] الفصل 13 من القانون عدد 58-78: يحدد مصادر تمويل اللجنة الوقتية لإدارة شؤون الديانة الإسرائيلية.
- [9] الفصل 2 من القانون نفسه: يحدد دور الجمعيات الدينية في تنظيم الذبح الطقوسي والمواد الكاشير.
- [10] الفصل 16 من القانون عدد 58-78: يحدد المهام الدينية والسياسية لكبير الأحبار.
- [11] الفصل 6 من دستور تونس: الدولة كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية.
- [12] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، صادقت عليه تونس سنة 1969.
خاتمة: حين يصبح الاضطهاد مقنّعًا باسم القانون
ما حدث في هذه القضية لم يكن زلّة قضائية، بل كان انحرافًا ممنهجًا عن مبدأ العدالة. لم يُعاقب ذلك الرجل لأنه خالف تسعيرة، بل لأنه يهودي في بلد لم يعد يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها. لقد اعتبرت الشعائر الدينية اليهودية جريمة، وتم تجاهل القوانين الخاصة بالديانة الموساوية وكأنها لم تكن يوماً جزءاً من المنظومة القانونية التونسية؛ أو هل كان لليهود في تونس أي إحترام أو أي إعتبار قانونيا بنص واضح وصريح يحمي حقوقهم في ممارسة شعائرهم؟ ألسؤال يتجاوز النصوص الى الهياكل و المؤسسات وخاصة المغالطة الكبرى في تسمية وزارة الشؤون « الإسلامية » بشؤون دينية والأمر أن الدين هو الإسلام لا غير في تجاهل تام لباق الديانات.
هذا القرار لا يمكن وصفه إلا بـ معادٍ للسامية، ومخالف لكل ما تدّعيه تونس من احترام الاختلاف الديني وحقوق الأقليات. فأين هي المواطنة المتساوية؟ أين هو التنوع الثقافي الذي نتغنّى به في خطب رسمية فارغة؟ وكيف يمكن لقاضٍ أن يسحق وثائق رسمية موقعة من الحبر الأكبر ثم يدّعي الحياد؟
إن اليهود التونسيين اليوم لا يُعاملون كمواطنين، بل كطائفة دخيلة لا تُحترم. هذه ليست مجرد مخالفة قانونية، بل إعلان واضح أن التمييز الديني ما زال حيًّا يُمارَس بقفازات القانون.
علينا أن نسأل، وبصوت عالٍ: أين هي حقوق الإنسان؟ أين هي حرية المعتقد؟ أين هو دستور تونس الذي يزعم حماية الجميع؟ هل أصبح الانتماء الديني مبررًا للتهميش والإقصاء؟
إن ما حصل في هذه القضية ليس استثناءً، بل مرآة لما يخفيه المجتمع من عنصرية قانونية صامتة. وإن لم يُواجه هذا النوع من التمييز المؤسسي، فإننا نُكرّس دولة تُصنّف مواطنيها وفق معتقداتهم، لا وفق حقوقهم.
اليوم، يجب أن نكون واضحين: ما حدث كان لأن الرجل يهودي تونسي. وهذه حقيقة لا يمكن تلميعها ولا التستر عليها.