بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية ورهاب ازدواجية الميل الجنسي ورهاب العبور الجندري،يتقدم الأستاذ منير بعطور بهذا المقترح التشريعي دعماً لحقوق الإنسان وتماشياً مع الدستور التونسي والمعاهدات الدولية.
تأتي هذه المبادرة في ظل استمرار العمل بفصل قانوني يُجرّم الميولات الجنسية اللانمطية ويشكل انتهاكاً صارخاً لمبادئ الكرامة الإنسانية والمساواة أمام القانون، كما أنه يتعارض مع نصوص دستورية واضحة والتزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.
مشروع قانون موجه من الأستاذ منير بعطور إلى مجلس نواب الشعب يهدف إلى إلغاء الفصل 230من المجلة الجزائية :
شرح الأسباب :
حيث نص الفصل 22 من الدستور على أن “ المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون دون تمييز.“.
وحيث نص الفصل 230 من م.ج يعاقب فئة من الشعب التونسي بناء على تمييز على أساس ميولاتهم الجنسية.
وحيث أن المبدأ الأساسي المتمثل في عدم التمييز يجعل على المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق بقطع النظر عن اختلافاتهم بما في ذلك توجههم الجنسي وهذه هي القراءة المتفق عليها في فقه كل الهيئات الدولية المشرفة على إنفاذ الصكوك الدولية التي اعتبرت أن المبدأ المذكور يشمل أيضا منع التمييز على أساس الميولات الجنسية.
وحيث أنه وبالنظر في الفصل 22 من الدستور فإن عبارة منع التمييز جاءت على إطلاقها وفي قراءة لها متلائمة مع الشرعية الدولية لحقوق الإنسان والشرعية الإفريقية تكون قراءة منع التمييز بصورة واسعة لتشتمل التوجهات والميول الجنسية ويكون الفصل 230 من م.ج في تعارض واضح مع مبدأ منع التمييز بل أنه يكرس التمييز بين المواطنين والمواطنات على أساس الميول الجنسية وجعل من هذا الإختلاف فعلا مجرما ويحد بذلك من الحقوق والحريات دونما إنسجام مع فصول الدستور وأحكامه.
وحيث نص الفصل 23 من الدستور على أنه “ تحمي الدولة كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد، وتمنع التعذيب المعنوي والمادي. ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم.“.
وحيث أنه بالرجوع للفصل 230 من المجلة الجزائية وتطبيقاته نلاحظ أنها تحط من كرامة الفرد عند اللجوء إلى إثبات الأفعال المجرمة بمقتضاه عن طريق الفحوصات الطبية الشرجية للأشخاص المشتبه بهم أو المتهمين بهذه الأفعال.
وحيث يكون الفصل 230 م.ج بما يفتحه من باب للفحوصات الماسة بحرمة الجسد وبكرامة الإنسان مخالفا لمقتضيات الفصل 23 من الدستور ومتناقضا مع تلك الأحكام.
وحيث تنص القوانين التالية على حماية الحياة الخاصة:
-
الفصل 128 من المجلة الجزائية،
-
الفصل 29 من القانون عدد 63 لسنة 2004،
-
الفصل 86 من مجلة الاتصالات.
… مما يجعله في تعارض واضح مع الأحكام القانونية والدستورية على حد السواء.
وحيث وبالرجوع إلى الفصل 230 من م.ج فإننا نلاحظ أن مجال إنطباقه بأساس هو المجال الخاص (الحميمي) للأفراد وهو ما يجعلهم مستهدفين بالتدخلات التعسفية في مجال حياتهم الخاصة قصد التثبت من مدى حصول الفعل المجرم ( اللواط أو المساحقة).
وحيث يكون الفصل 230 يكون الفصل 230 من المجلة الجزائية عندئذ في تعارض واضح مع الفصول والقوانين المذكورة سلفا...
وحيث نص الفصل 49 من الدستور على أنه : “ يحجُر تعطيل الحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور أو الحد منها إلا بموجب قانون ولضرورة يقتضيها الدفاع الوطني أو الأمن العام أو الصحة العامة أو حماية حقوق الغير أو الآداب العامة، مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها، وعدم المساس بجوهر الحقوق والحريات.“
هذه الضوابط الهامة التي وضعها الدستور لحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك تشريعي كان أو ترتيبي أو غيره لا تتوفر في الفصل 230 من المجلة الجزائية والذي يجرم الاختيارات أو التصرفات الحميمية للفرد والتي يمارسها في فضائه الخاص مما لا يتعارض مع أي من القيود المفروضة دستوريا، فنظرا لكونه سلوك رضائي فهو لا يلحق أي أذى بالغير ويمارس في الفضاء الخاص فلا علاقة له بالآداب العامة وليس من شأنه أن يمس لا بالأمن العام ولا بالصحة العامة ويكون منعه وتجريمه متعارض مع مقومات الدولة المدنية والديمقراطية والتي تقوم أساس على احترام اختيارات الفرد وصون كرامته وحرمته.
ويكون الفصل 230 من المجلة الجزائية عندئذ في تعارض واضح مع مقتضيات الدستور وتحديدا فصله 49.
وبتعارض الفصل 230 مع جميع مبادئ حماية حقوق الفرد وحرياته وتعسفه في التدخل في الحياة الخاصة للأفراد وعدم صون كرامتهم وحرمتهم وإحداث تمييز بينهم على أساس ميولهم .
ويعد الفصل 230 من المجلة الجزائية بذلك نموذجا عن النصوص القانونية التي تتعارض صراحة مع نص وروح دستور 2022 المبني أساس على مبدأ صون كرامة الأفراد وإحترام خصوصياتهم وحرمتهم ومع مختلف المعاهدات والمواثيق الدولية الرافضة للتمييز المبني على الميول والاختيارات والتوجهات الجنسية للأفراد.
وحيث نص الفصل 72 من الدستور على أن المعاهدات الموافق عليها من قبل المجلس النيابي والمصادق عليها أعلى من القوانين وأدنى من الدستور.
وحيث صادقت الجمهورية التونسية على العديد من المعاهدات الدولية اللاحقة لإصدار المجلة الجزائية (بما فيها الفصل 230 ) والتي تلغي وتنسخ بصفة ضمنية الفصل 230 من المجلة الجزائية وبيانه
وحيث نصت المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (وكل منهما مصادق عليه من قبل الدولة التونسية) على أنه : “ لا يجوز تعريض أن شخص على نحو تعسفي لتدخل في خصوصياته وشؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته“.
وحيث أن الفصل 230 م.ج ينطبق أساسا في المجال الخاص (الحميمي) للأفراد وهو ما يجعلهم مستهدفين بالتدخلات التعسفية في مجال حياتهم الخاصة قصد التثبت من حصول الفعل المجرم بالفصل المذكور.
وحيث نصت المادة 5 من الإعلان العاملي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه : “ لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو الحط من الكرامة وتضيف المادة 7 من العهد أنه وعلى وجه الخصوص لا يجوز إجراء أية فحوصات طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر “.
وحيث يكون الفصل 230 من م.ج متنافيا مع أحكام مواد المعاهدتين المذكورتين بما يجيزه من تحريات تحط من كرامة الفرد خاصة عند اللجوء إلى إثبات الأفعال المجرمة بمقتضاه عن طريق الفحوصات الطبية الشرجية
وقد اعتبرت اللجنة الخاصة للأمم المتحدة لمناهضة التعذيب أن فحوصات العذرية والفحوصات الشرجية من الأفعال التي تدخل في باب التعذيب في تقريرها السنوي الصادر في 3 أكتوبر 2014 وأوصت اللجنة في تقريرها بوجوب حظر هذه الفحوصات لضمان “ الإحترام الكامل لكرامة الإنسان .
وحيث يكون الفصل 230 م.ج بما يفتحه من باب الفحوصات الماسة بحرمة الجسد وبكرامة الإنسان متناقضا مع أحكام الفصلين 5 و7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وبالتالي منسوخ بموجبهما.
وحيث ومن ناحية أخرى فقد نصت المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “ الناس جميعا سواء أمام القانون وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز….“ كما نصت المادة 2 من العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أنه : “ تتعهد كل دولة طرف في العهد بإحترام الحقوق المعترف بها فيه وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا أو غير سياسيا أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو السند أو غير ذلك من الأسباب“.
وحيث أن هذا المبدأ الأساسي الذي يجعل من كل المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق بقطع النظر عن اختلافاتهم بما في ذلك ميولاتهم الجنسية تمت قراءته في فقه كل الهيئات الدولية المشرفة على إنفاذ الصكوك الدولية على أنه يشتمل أيضا منع التمييز على أساس الميولات الجنسية وهو ما أكدته صراحة لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأمم المتحدة في ملاحظتها العامة عدد 20 لسنة 2009 (الفقرة 27) حيث أقرت أن عبارة “ غير ذلك من الأسباب“ تندرج في إطارها التمييز على أساس الميولات الجنسية وكانت قد أكدت سابق في بعض الحقوق كمنع التمييز على أساس الميول الجنسية في مجال الشغل (الملاحظة العامة للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عدد 18 فقرة 12 وفي مجال الحق في الصحة (الملاحظ العامة عدد 14 لسنة 2002 فقرة 18).
نفس هذا التوجه أقرته لجنة مناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة في الملاحظة العامة عدد 28 وقراءتها للفصل الثاني من المعاهدة والتي أقرت منع التمييز على أساس الميول الجنسية.
كذلك لجنة حقوق الطفل والتي قدمت توصيتها العامة عدد 4 لسنة 2003 معتبرة أن الفصل الثاني من معاهدة حقوق الطفل يشمل منع التمييز على أساس التوجيهات أو الميول الجنسية.
كذلك لجنة مناهضة كل أشكال التعذيب والمعاملات القاسية والإحاطة من الكرامة والتي أقرت نفس هذا التوجه في ملاحظتها العامة عدد 2لسنة 2008 وفي قرار مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة عدد 1921/17 بتاريخ 15 جوان 2011 عبر هذا الأخير عن انزعاجه الشديد فيما يتعلق بالعنف المسلط على الأشخاص بسبب توجهاتهم الجنسية.
أما اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب واستنادا إلى الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وتحديد المادة 2 منه والمتعلقة بمنع التمييز، فقد أقرت وجود أقلية جنسية (المثليين) والتي تتعرض لانتهاك حقوقها وللعنف. (القرار عدد 275 الدورة العادية عدد 55 أنغولا من 28 أفريل إلى 12 ماي).
وحيث نص الفصل الأول من الاتفاقية لمناهضة التعذيب و كل العقوبات و المعاملات القاسية و اللا إنسانية و الحاطة بالكرامة على تعريف التعذيب بأنه كل فعل ينتج ألما حسيا أو معنويا ….. يهدف إلى الضغط إنسان من أجل أي سبب مؤسس على أي نوع من أنواع التمييز مهما كان “
كما نص الفصل 16 ن الاتفاقية المذكورة على أن “ كل دولة طرف في الاتفاقية تلتزم بمنع أي فعل قاس أو لا إنساني أو حاط بكرامة الإنسان “حتى وإن لم يكن الفعل موصوفا بالتعذيب.
وحيث لا جدال في أن الفصل 230 م.ج متعارض مع الاتفاقية المذكورة بما يخوله من تمييز واضح ضد المواطنين والمواطنات بسبب ميولاتهم الجنسية كما أن الفحوصات الشرجية الناتجة عن تطبيقه تعتبر فعلا حاطا بكرامة الإنسان على معنى الاتفاقية المذكورة وبالتالي فإن علوية الاتفاقية الدولية عل القوانين الوطنية تجعل من الفصل 230 من م.ج متعارضا مع الاتفاقية المذكورة.
وحيث نصت المادة الثانية من المعاهدة الإفريقية لحقوق الإنسان و الشعوب على أنه “ لكل شخص الحق في التمتع بالحقوق والحريات المضمونة بموجب المعاهدة بقطع النظر عن أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو الولادة أو أي وضعية أخرى “.
كما نصت المادة 3 من المعاهدة على أن “ لكل شخص التمتع بحماية متساوية من قبل القانون“.
كما نصت المادة الرابعة من المعاهدة على أن “ لكل إنسان الحق في احترام حياته الخاصة وحرمته الجسدية والنفسية“.
كما نصت المادة 28 من المعاهدة على “ واجب احترام الإنسان دون أي نوع من التمييز مهما كان“.
وحيث أن عبارة “ أي وضعية أخرى“ تشتمل التمييز على أساس الميولات الجنسية مناط الفصل 230 م.ج.
كما أن الفصل 230 م.ج يؤدي إلى تمييز واضح بين المواطنين والمواطنات ويجعلهم غير متساويين أمام القانون ويجعل القانون غير حامي للمواطنين بسبب ميولاتهم الجنسية بل أنهم يعتبرون مجرمين بسبب تلك الميولات.
وحيث يعتبر الفصل 230 متناقضا مع المادة 4 من المعاهدة المذكورة لخرقه لمبدأ إحترام الحياة الخاصة والحرمة الجسدية.
ويعتبر متناقضا مع المادة 28 من المعاهدة المذكورة لإخلاله بمبدأ واجب إحترام الإنسان دون أي نوع من التمييز.
وحيث يكون الفصل 230 منافيا لثلاثة فصول من الدستور وثلاثة قوانين على الأقل ولأربعة اتفاقيات دولية مصادق عليها من قبل الدولة التونسية الشيء الذي يجعله مستوجب الإلغاء.
خاتمة: إن هذا المشروع يمثل دعوة صريحة لاحترام مبادئ الحرية والكرامة والمساواة. وإن إلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية سيكون خطوة محورية نحو دولة مدنية ديمقراطية تكرس الحقوق والحريات لكل أفراد المجتمع.