حكم قضائي بشأن « التحول الجنسي »
الجنس عنصر من عناصر الهوية يقع التنصيص عليه في رسم الولادة طبق الفصل 26 من قانون الحالة المدنية.
على الرغم من عدم وجود نص يمنع تغيير الجنس الطوعي، يبدو أن المحاكم تسير في اتجاه رفض أي طلب لتغيير الجنس في رسم الولادة بناءً على رغبة الفرد في تغيير جنسه.
وبالرجوع إلى مختلف الأحكام القضائية، يمكن ملاحظة أن أساس رفض طلب المدعي هو حماية المجتمع. اذ أن القاضي لا يهتم إلا بالمحافظة على النموذج التقليدي لوحدة المجتمع والمتمثلة في الأسرة المكونة من رجل وامرأة، لأن المتحول جنسيًا لا ينتمي إلى أي من الجنسين ولا يمكنه الزواج، من وجهة نظره.
ففي حكم سابق، اعتبرت المحكمة أن التغيير الإرادي للجنس « يشجع على التخنث الاصطناعي… اضافة إلى أنه يسمح بالتصرف في الجسم البشري لكونه يمكن الشخص من تغيير جنسه كيف ومتى شاء وهو ما يتنافى والقانون الوضعي والشريعة الإسلامية. » وفي حكم آخر، وتأثرا بالشريعة الإسلامية كمرجعية أساسية للقاضي اعتبر أن متحول الجنس قد « خالف الموروث الحضاري والأخلاقي لهذه الأمة وهو ما يعبر عنه قانونا بالنظام العام والأخلاق الحميدة. »
ولكن القبول التدريجي لتغيير الجنس بدأ في الظهور مع الحكم القضائي « لينا-ريان » بتاريخ 9 جويلية 2018، الحكم عدد 12304 الصادر عن المحكمة الإبتدائية بتونس في مادة الأحوال الشخصية.
وتتمثل وقائع الحكم في كون المدعي يعاني من قلق وعدم ارتياح حول نوع الجنس الذي ولد به لأنه يمتلك جسم فتاة إلا أن دماغه يخبره بأنها ذكر وهو ما يعرف لدى الأطباء باضطراب الهوية الجنسية. لذلك خضع للعلاج النفسي ثم للعلاج الهرموني والجراحي لتواصل معاناته وذلك بألمانيا حيث سافر لمواصلة دراسته الجامعية. هنالك، تحصل على أحكام قضائية أولها يتعلق بتغيير جنسه وثانيها ما يتعلق بهويته الجديدة « ريان ».
وعلى إثر عودته لتونس، قدم دعوى ضد وكيل الجمهورية بالمحكمة الإبتدائية بتونس ممثلا للحق العام بهدف استصدار قرار بتغيير جنسه من أنثى إلى ذكر وبتغيير اسمه من لينا إلى ريان مع الإذن لضابط الحالة المدنية بالتنصيص على ذلك بدفاتر الحالة المدنية. فكلفت المحكمة بمقتضى حكم تحضيري طبيبا نفسيا لفحص المدعي من الناحية النفسية وطبيبا شرعيا لمعاينة جسده، وتحديد جنسه للجواب على المسألة المتعلقة بجواز أو عدم جواز تغيير الجنس.
تبعا لذلك، قررت المحكمة أن المدعي يعاني من اضطراب الهوية الجنسية بصورة محضة. وللوصول إلى هذه النتيجة، استندت على تقرير الطبيب النفسي الذي بيّن أن المدعي لا يعاني من أي اضطراب نفسي وأن حالته هي حالة متحول الهوية الجنسية، وعلى تقرير الطبيب الشرعي الذي أثبت انتماء المدعي لفئة الذكور سلوكا وحركات ونفسية، وعلى التنافر الذي يعاني منه بين هويته الباطنية ومظاهر جسده الخارجية.
وعليه، قبلت المحكمة تغيير الجنس بقولها: « لإعادة التكيف بين المؤشرات التي يرسلها إليها (إليه) دماغها (دماغه) وما يظهر على جسدها (جسده) من جنس مغاير لهويتها الجنسية، وجب تصحيح المضمون لمطابقة الحقيقة ». ولتوفر شروط حالة الضرورة أمرت المحكمة بتغيير جنس المدعي من أنثى والتنصيص عليه في رسم الولادة وذلك لتنعم بالحق في حياة طبيعية.
وهو ما يطلق عليه بالهوية الجندرية والذي يختلف الإعتراف بها من دولة لأخرى إذ يتراوح بين الإعتراف الكلي كما هو الحال في القانون الأرجنتني والإعتراف المشروط (شبه الاعتراف). فأما الحالة الأولى فيسمح فيها القانون بتغيير الجنس من دون وضع شروط مسبقة. وأما الحالة الثانية فهي التي لا تقبل التغيير إلا إذا توفرت شروط معينة.
بالتدقيق في الحكم، يظهر أنه جاء منفتحا على التجارب المقارنة في فقه القضاء كالمحاكم الفرنسية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وبشكل أعم على مرجعية حقوق الإنسان وتكريس الحريات الفردية. وفيما أن الحكم يخطو خطوة هامة في سياق حماية الحياة الخاصة للأفراد في ما يتعلق بمسألة تغيير الجنس، إلا أنه يبقى حذرا من خلال وضع شروط بدافع حماية النظام العام، مما يؤشر إلى إرادة التدرج في الاجتهاد أو إحاطة الحكم بما يجعله مقبولا اجتماعيا في ظروف صدوره.
تأثر الإعتراف بالهوية الجندرية بالمنظومة القضائية
من خلال الرجوع لعديد القضايا التي تناولت موضوع تغيير الجنس ومقارنتها بقضية الحال، شهد فقه القضاء تطورا في ما يخص هذه المسألة. إذ يتأثر الإعتراف بالهوية الجندرية من عدمه بمرجعية القاضي بمناسبة نظره في قضية معينة (أ) وبالدور الذي يلعبه لإنفاذ الحقوق والحريات التي تحمي الهوية الجندرية (ب).
تطور مرجعية القاضي
بالرجوع لعديد الأحكام والقرارات القضائية السابقة في هذا المجال، نلاحظ انسياقا نحو المرجعية المحافظة المستلهمة من الثقافة الإسلامية التي يؤسس عليها القاضي أحكامه في مادة تغيير الجنس. ففي سنة 1993، لاحظنا من خلال قراءة القرار الإستئنافي الصادر عن محكمة الإستئناف بتونس في 22 ديسمبر 1993 غيابا تاما للمرجعية الكونية لحقوق الإنسان. فقد اختزلت المحكمة آنذاك المسألة في كون رفض مطلب تغيير الجنس أساسه حماية المجتمع، على اعتبار أن تغيير الجنس يسمح بالتصرّف في الجسم البشري لكونه يمكّن الشّخص من تغيير جنسه كيف ومتى شاء وهو ما يتنافى والقانون الوضعي والشريعة الإسلامية من جهة أخرى.
أما الحكم موضوع التعليق فقد ذهب في منحى مختلف. فهو لم يقصر تعليل حكمه على ما قد يؤيده من مراجع مستمدة من الشريعة الاسلامية، بل استأنس بالتجارب المقارنة في فقه القضاء كالمحاكم الفرنسية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والتي اعتبرت حماية الهوية الجندرية والإعتراف بها عنصرا من عناصر حماية الحياة الخاصة للأفراد التي تلتزم الدولة بحمايتها.
وبالتالي، وبتأويل عكسي لما ورد بهذا الحكم، يعد عدم الاعتراف بالهوية الجندرية انتهاكا للحق في احترام الحياة الخاصة كما ورد بالدستور وبالنصوص الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها تونس والذي ذكر القاضي بعلويتها على القوانين.
وهذا ما يجرنا للحديث عن التجارب المقارنة في فقه القضاء. ففي قضية سنة 2002 في المملكة المتحدة، اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن « رفض تغيير الأوراق الثبوتية والهويات القانونية يمكن أن يرقى إلى التمييز وانتهاك الحق في احترام الحياة الخاصة ». وفي قضية أخرى في 2003، وجدت المحكمة أن ألمانيا فشلت في احترام « حرية مقدمة الطلب في تحديد نفسها على أنها أنثى، وهو أحد مقومات حق تقرير المصير الأكثر جوهرية ». وهي القضايا التي جعلت الحكم الصادر في قضية الحال يبين لنا كيف تطور دور القاضي في هذا المجال.
تطور دور القاضي
من خلال قراءة الحكم الصادر في 9 جويلية 2018 يمكن القول بأن دور القاضي تطور في ميدان حماية الحقوق والحريات. فمن جهة، رفضت محكمة الإستئناف بتونس بتاريخ 22 ديسمبر 1993 الاستلهام بالقانون المقارن وبخاصة الاجتهاد الأوروبي، بحجة أن « القاضي يجد نفسه مقيدا بحضارته ويجب عليه احترام متطلبات الوظيفة التي يقوم بها في المجموعة الإجتماعية ». كما أن المحكمة ذكّرت في حيثية من حيثيات القرار 1993 الصادر سنة بارتباطه بالثقافة العربية والإسلامية، مبينة بأن اختلاف الثقافات هو ما يؤسس حكمها. فكأنما المحكمة لا تجد حرجا في رد هذا النوع من الطلبات، لعدم امتثالها للإرث الحضاري العربي والإسلامي.
إلا أن هذا التعليل تغير في القرار الصادر في 2018. فالقاضي بدا معنيا بحماية حقوق الأفراد بغض النظر عن الثقافة السائدة أو المعتقدات التي يتبنّاها، فتراه جد ليغرف منها ما قد يمهد لحماية هذه الحقوق.
تأثر الإعتراف بالهوية الجندرية بحماية النظام العام
في هذا الإطار، وضعت المحكمة الشروط التي تتحقق بها الضرورة والتي تسمح للمدعي بتغيير اسمه وعلامة الجنس في رسم الولادة (أ) وفي هذا توجه نحو الإعتراف بالهوية الجندرية (ب).
شروط القبول بتغيير الجنس
لئن تحمي الدولة حرمة الحياة الخاصة ومنها في قضية الحال الحياة الخاصة المتعلقة بالهوية الجندرية، فهي في نفس الوقت تحمي الفرد من نفسه حتى لا تصبح « حرية اختيار الفرد لجسده » وتغيير هويته الجنسية مبالغا فيه أو ضارا بالشخص خاصة ولا سيما أن مثل هذه العمليات نهائية ولا رجعة فيها. ومن ناحية أخرى اعتمدت المحكمة مبدأ « الضرورة تبيح المحظورات » وبذلك تعتبر ضمنيا أن تغيير الجنس بالإرادة الحرة أمر غير ممكن وأن القبول به استثناء تفرضه ضرورة نفسية أو جسدية معينة، لأن المبدأ هو استقرار الحالة المدنية وتعني الضرورة في هذه الحالة أن ما أقدم عليه الطالب هو من آخر الحلول ولم يعد هناك من وسيلة لينعم بحياة عادية كباقي الأفراد.
إذ يبدو أن المحكمة في قضية الحال تتبنى نظرية أن مسألة الجنس مسألة تتعلق بالنظام العام وليس بالإرادة الفردية وحسب. لذلك هي تضع شروطا للسماح للمتقاضية بتغيير رسم الولادة وذلك رغم اعترافها بأن الهوية الجندرية تندرج ضمن عناصر الحياة الخاصة. وهذه الشروط تجعل من الهوية الجندرية رهينة التدخل الطبي أي أن عمليات الجراحة والعلاج الهرموني يجب أن تتم حسب تعليمات الطبيب المختص وليس فقط حسب رغبات الشخص.
وبالتالي، تتأسس حماية النظام العام في ما يتعلق بتغيير الجنس على استقرار الحالة المدنية فكل « تغيير اصطناعي غير مقبول. أما التغيير المبرر طبيا من الناحية الجسدية أو النفسية فهو وحده الذي يكون مقبولا، وذلك في محاولة لإيجاد التوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة التي تتمثل في حماية الصحة العامة.
في قضية الحال، اعتمدت المحكمة على تقرير الطبيب الشرعي لتقر في مرحلة أولى بأن حالة المدعي هي حالة « اضطراب الهوية الجنسية » وليس « انحرافا للسلوك الجنسي » مما يسمح لها « بتصحيح المضمون لتطابق الحقيقة ». وفي مرحلة ثانية، اعتبرت أن المدعي يعتبر في حالة من حالات الضرورة لأنها بذلت منذ سن 12 عاما إلى حين خضوعها للعمليات الجراحية مدة كافية في محاولة للتكيف مع حالتها الجسدية. وأقرت بأن مواصلتها العيش بالجسد الذي ولدت به يشكل خطرا على حياتها لأنها أقدمت في الماضي على الإنتحار.
ويمكن أن نضيف لحالة الضرورة أن مجرد إفصاح المتقاضية وغيرها من الأشخاص الذين يعيشون نفس الوضعية عن هويتهم الجنسية في الفضاء العام قد يؤدي إلى تهديد سلامتهم الجسدية والنفسية وحتى المهنية ويسمح للسلطات بمضايقتهم وتهديدهم وابتزازهم.
أما الشروط التي وضعتها المحكمة لقبول طلب المتقاضية فتتمثل في أن يبذل المريض جهدا في التكيف مع حالته الجسدية ويعجز عن ذلك. ثم أن يسعى للمعالجة والتداوي وعلى إثر فشل المعالجة يصبح بالمريض ضرر جسيم وخطير لا يمكن تفاديه ومؤدي للهلاك. حسب المحكمة، تتمثل الضرورة في المحافظة على الحياة ويتمثل الخطر في المعاناة النفسية التي قد تصل حدّ الإنتحار.
نحو الإعتراف بالهوية الجندرية
لأول مرة يستعمل القاضي في قضية تتعلق بتغيير الجنس مصطلحا طبيا « اضطراب الهوية الجنسية » لتشخيص حالة المدعي للتأكد من شروط توفر الضرورة من عدمها. وهذا ما لم يحدث في القضايا المماثلة السابقة، حيث كان القاضي رفض طلب المدعي لمجرد أن التغيير الذي حصل، تمّ بإرادة الفرد ومن دون تشخيص لحالته. وقد اعتبر هذا « التغيير الإصطناعي » متسرعا وكان على المتقاضي أن يتلقى علاجا نفسيا حتى يجد توازنه النفسي لأنه في نظر القاضي قد « خالف الموروث الحضاري والأخلاقي لهذه الأمة وهو ما يعبر عنه قانونا بالنظام العام والأخلاق الحميدة ».
فخلافا للقضايا السابقة لقضية الحال، لا يعتبر الحكم موضوع هذا التعليق هذا الاضطراب مرضا، مذكّرا بأنه أزيل من قائمة الأمراض النفسية. فالمحكمة في هذه القضية لا تنظر في « مشروعية » تغيير الجنس بل تسعى لحماية المدعي خاصة إذا تعلق الأمر بقدسية الحق في الحياة وإنقاذ المدعي من أن يحاول الإنتحار مجددا. هذا وقد اعتمدت المحكمة على تقرير الطب النفسي لتعترف لأول مرة في تاريخ القضاء التونسي بوجود « متحول الهوية الجنسية » مقرة بالتالي بالتنوع الجنسي.
لكن هذا لا يعدو كونه اعترافا مشروطا بالهوية الجندرية، بما أن قبول التغيير يبقى رهين التدخل الطبي.